الاثنين، 2 مارس، 2009

0 لحظــات ســامية



ان الإنسان فى لحظات راحته وسكونه مسارح فكرية ، وهى من مميزات روحه الإنسانية ليس فؤاد الجاهل بأقل شعوراً من فؤاد العالم ، و ليست هى في مكان وزمان أقل منها في مكان وزمان آخرين ، ودلت على ذلك أشعار الأمم و أغانيها من قديم الزمان فترجمت هذا الشعور بكلمات و ألحان فأدركنا أنه فطري فينا و أن دون انتزاعه منا نزع الفؤاد من بين الجوانج.

كل حادثة من حوادث الحياة توقظ فينا هذا الشعور و تجعله في أشد درجاته ، فما مرض الأقرباء و ما فراق الأحباء و ما اختلاف الأصدقاء و ما حزننا على الأقصى و العراق وما مصائبنا في الأهل و النفس إلا منبهات لهذا الشعور ومذكيات له.

الإنسان أثناء تلبسه بهذا الشعور يحتاج إلى مواس ٍ يواسيه وموال يواليه الهدوء و يوليه و معتمد يعتمد عليه فيما وقع فيه ، وليس وقت الشعور بالمصيبة وقت تمني وتأميل حتى يكتفي الإنسان من التأسية بما يؤثر على خياله ولو توهماً كما هو حاله في بعض الأحيان ، ولكنه وقت جد ينبعث الإنسان فيه لتلمس مواساة حقه يصرف بها حرارة هذا الشعور وقت احتدامه و إلا أحرق اليأس فؤاده .

نعم يحتاج إلى مواسٍ يفاتحه بما يشكو منه معتقداً أنه أشفق عليه من أبيه وأمه ومن الناس أجمعين ، مواسٍ يرضى بأن يلقي الإنسان نفسه بين يديه القويتين فتحفظانه من السقوط وتقيمانه على نهج الطريق.

إذا أصيب الإنسان بمصيبة تلظى فؤاده ناراً ، وكادت نفسه تطير وتحترق ، وشعر بحقيقة ضعفه ووهنه ، وأحس بضئولة قواه وحوله .، وأدرك كون مركزه فى هذا الوجود الهائل ، و أدرك أنه غريب وحيد ، بل طريد شريد ، أينما يوجه وجهه لا يجد معيناً على بلاءه ولا مقيلاً له من تعثره في ذيول شدائده .

فاذا به يذهب بعيداً ، يرفع رأسه إلى السماء فلا يرى إلا نجوماً تسبح في فضاء فينظر إلى الأرض فلا يرى إلا جبالاً إن نجاها أرتد إليه صوته المبحوح أو ذهب مع الريح.
ثم يرجع إلى نفسه فيرى حوله قومه وبني أبيه وليس فيهم واحد منزه عن ما ألم به ، فليسوا بأقل احتياجاً منه.

إذن ماذا يفعل الإنسان وهو في تلك الحالة الحرجة و الموقف الصعب؟؟ بأي ركن يعتصم وبأي ملاذ يلوذ ؟ على أى سند يعتمد ومن أى مساعدة يأمل النجاة؟
ليس أمامه إلا أن يرمي نفسه بين يدي تلك القوة و التي أخرجته من العدم و قضت عليه بما هو فيه من تلك الحالة. تلك القوة التي أقامت هذا الوجود على دعائم الحكمة المتناهية ، تلك القوة التى لم تضع شيئاً فى غير محله و لم تهب شيئاً دون فائدة ، تلك القوة التى وهبت للإنسان هذا الفكر الطموح و العقل الجموح و الأحاسيس المتعاكسة و الميول المتضاربة لحكمة بالغة ومقصد عظيم.

إذا ألقى الإنسان نفسه بين يدي تلك القوة ، ثلج صدره واطمأن على نفسه ، لتحققه أن هنالك قوة مهيمنه عليه ومعنية له
و اذا فقد الإنسان الثقه بهذه القوة فكيف تدخل الطمأنينه فى نفسه أم كيف يتذوق لذة الراحة و السكينة !؟

أيهـــــا الشباب .... الإنسان مفتقر فى كل لحظة من لحظات حياته إلى من يشاركه فى أحزانه و أشجانه ، فكيف به لو فقد الثقة في أصل حياته و رأى نفسه فى هذه النهاية وحيداً ضعيفاً.

الإنسان محتاج إلى روح من الأمل فى كل حركة من حركاته فى أعماله ، فكيف به إذا تولاه اليأس فى وجود من يعتمد عليه عندما تأتيه المصائب و النوائب؟

الإنسان إنسان بروحه أكثر من جثمانه ، فهو محتاج في كل خطرة من خطرات إحساساته إلى غاية يوجه إليها تلك الإحساسات ، فكيف لو عمى عن روح الوجود وقيومه ومنتهى كل جمال وكمال ، ولم يرى في هذا الكون الهائل إلا ذلك الصمت المرعب والسكوت المهيب!؟

اليس من المؤلم للإنسان و الجارح لفؤاده أن يتوهم أن هذه اللانهاية المحيطه به من كل جانب خالية من سميع مجيب و أن لا شئ فيها يسمع ضراعته القلبية ومناجاته السرية !؟ أليس من الثقيل عليه أن يرمي ببصره إلى السماء فلا يبصر فيها إلا فراغاً محيراً أو سكوتاً ربما رأيته رائعاً وربما رأيته مرعباً!؟

لقد دلت الآثار التاريخية عبر العصور أن الإنسان جعل الإيمان أشفق المواسين له فى مصائبه و أرأف المعزين له فى نوائبه
فكم من فؤادٍ موجع لولا الإيمان لانفطر ، وكم من عقل محير لولا الإيمان لاختل ، ما الذى يهبط روح السكينة و المواساة على عزيز قومٍ ذل أو غني قومٍ أفتقر إذا جلس يتفكر فيما آل إليه حاله وسط الليل الحالك وهو يتنفس الصعداء غير إيمانه بأن معه من يعلم السر و أخفى و قادر على منحه الصبر على مصيبته أو القوة على استراد عزته ؟ ثم ما الذى ينزل روح الصبر والسلوان على قلب أم فقدت ولدها فى ريعان شبابه غير إيمانها بأنه أصبح وديعة لدى مبدعه الذي هو أشفق عليه منها في عالم غير هذا العالم ؟ ثم قل لي ، ما الذي يقود الرجل على جلب موارد العدم و إرسالها إلى عالم الفناء غير عدم إيمانه بهذه القوة المهيمنه على مقادير البشر؟

أما يصح لنا أن نقول أن الإيمان لازم من لوازم الحياة الإنسانية وحاجة من حاجات الحياة الأرضية ؟ من فقده فقد فقد طيب الحياة و لو ملك الدنيا بيمينه ومن وجده فقد وجد راحة الأبـــــــــــــد و لو كان بين مخالب و أنياب عدو.

أما يجب إذن على الذين يبيتون حيارى وجلين ينتظرون وقوع المحن عليهم ، و يصبحون خائفين واهمين يبكون على أنفسهم قبل حدوث المصائب أو عند حدوثها أن يسعوا إلى تنمية إيمانهم بدلاً من عملهم الدائب على تناسي ماهم فيه تناسياً وقتياً ، ثم تعود إليهم المخاوف باشد مما ذهبت ؟
على أن الفرق بين الطرفين عظيــــم ... فإن الذي يعمل على تناسي ما حاق به أو سيحيق به من نوائب يجني على نفسه جنايات لا تغتفر
أولاً : لأنه بعدم تقويته إيمانه يحرم نفسه من لذة الإيمان فإن له لذة في القلب لا يعلم قدرها إلا المؤمنون حقاً الذين قال قائلهم " نحن في لذة لو علم بها الملوك لقاتلونا عليها بالسلاح"

ثانياً : لان بحثه عن السعادة من غير طريقها تذهب به إلى متاهات المحظورات الإنسانية القاتلة التي تهلكه وتهلك الكثيرين كما هو مشاهد من عشاق السعادة و طلاب الراحة في غير طريقها.

هذا بخلاف حالة المؤمن فإنه لما أدرك أن لا شئ فى الوجود بغير حكمة ، وأن لكل عمل غاية و له نتيجة ، ورأى نفسه تشعر وتتألم وتتفكر فى المشكلات ويصل إلى حلها وهي كل يوم في رقي مستمر و لم تنهزم أمام ما يؤلمها من حالات الحياة ، و ألقى على نفسه هذه المسائل
مــاذا أنا؟ و من أين أتيت ؟ و إلى أين أنا ذاهبه ؟ ما هي الحياة وما دوري فيها؟؟ ما هو الموت وما بعد الموت؟ لماذا هذه المشكلات ولماذا هذا الشعور المؤلم؟؟ ما هو الوجود وما علاقتي به؟؟

هذه الأسئلة وضعها المؤمن نصب عينيه و اشتغل بحلها لعلمه أن حياته مرتبطة بها فتجلت له الحياة على حقيقتها بفضل الله و ازدادت نتائجها في الفؤاد رسوخاً تارة بالعلم الذى تهديه إليه مشاعره الظاهرة .. وتارة أخرى بما تنبع من صميم معناه من الإلهام الصحيح ، فاستوى بشراً سوياً يعرف قيمة الحياة وعاش حاصلاً على أحسن ما قدٌر للإنسان من سعادة دنوية

بقلم اختكم / جـــنــتــــان


0 التعليقات:

إرسال تعليق

برامج يجب توفرها على جهازك لاستعراض محتويات الموقع جيدا

حمل برنامج الفايرفوكسحمل قاريء ملفات pdfحمل برنامج winzipحمل برنامج winrarحمل مشغل الفلاش