الثلاثاء، 24 مارس، 2009

1 التربة الحسينية وتجارة الطين المقدس


تستخدم للتبرك وللسجود عليها كقطعة من أرض مقدسة شيعيًا

عبد الرحمن الماجدي من طهران: كانت نماذج الطين المجفف المختلفة الأحجام صغيرة ومتوسطة وكبيرة وبألوان حمراء داكنة أو عاجية تتقدم واجهات المحلات في معظم أسواق مدينة مشهد شرق طهران التي تضم ضريح ثامن أئمة الشيعة الامام علي بن موسى بن جعفر الملقب بالرضا. وهي مقصد للزائرين لشرائها كهدايا مع سجادات للصلاة ومسبحات مختلفة صنع بعضها من الطين المجفف أيضًا. وتستخدم مربعات ومستطيلات ومستديرات الطين المجفف الذي يسمى التربة الحسينية لغرض السجود عليه أثناء الصلاة من قبل الشيعة تبركًا وإستحبابًا. ولعل بيعها بجانب نماذج الأحجار الكريمة من العقيق والفيروزج والياقوت والدر النجفي وغيرها مرتبط بذات القدسية التي تتمتع بها هذه الأحجار، مع تفرد للحجر الحسيني المصنوع من طين خاص من أرض كربلاء بارتباطه بمأساة مقتل الامام الحسين بن علي بن ابي طالب ابن بنت النبي محمد والتمثيل بجثته وجثث أصحابه وسبي أسرته.

ولا تخلو أي مدينة تضم مزارًا شيعيًا من نماذج التربة الحسينية التي يحرص الشيعة على امتلاك قطع منها في منازلهم ومساجدهم حيث بات استخدامها بحكم المستحب الواجب لاعتماد الشيعة على روايات تنسب للنبي محمد حول مزايا السجود على هذه التربة وأبرزها ما رواه أحمد بن حنبل في (مسنده ج6/294) عن أم سلمة أو عائشة أنّ النبي محمد قال: "لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل علي قبلها فقال لي أنّ ابنك هذا حسينا مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء".

وتبدو مستديرات ومستطيلات هذه التربة الحمراء مفضلة على غيرها في الشراء في محلات الهدايا الشيعية لنسبتها لارض كربلاء التي تزخر روايات الإرث الشيعي بتقديسها وتفضيلها على اي تربة أخرى. ومع وجود نماذج من تربة اخرى كالمشهدية بلونها العاجي خاصة في مدينة مشهد الايرانية شمال طهران التي تضم ضريح الامام الثامن للشيعة علي بن موسى الرضا الا أن هذه التربة يفضلها الزوار العراقيين لايران حيث يجلب بعضهم التربة الحسينية لاستبدالها كهدايا مع التربة المشهدية.

وقد استفاد عدد من اهالي مدينة كربلاء من هذه التربة مصدر للرزق فباتت تصنع في المنازل باستخدام قالب خاص يسمى الدونة لتقطيع الطين الذي يسمى في العراق "الحري" بتشديد الراء وهو لونه أحمر طري جدًا ولا يتشقق بعد تجفيفه. ويوجد في مناطق عدة بالعراق، لكن المكان المفضل لصناعة التربة الحسينية هو القريب من بساتين محافظة كربلاء جنوب بغداد، التي تضم ضريح الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب.

ويقول أحد سكان كربلاء لايلاف أن طريقة صناعة التربة الحسينية تتم عن طريق جلب الطين الحري احمر اللون من منطقة خاصة في كربلاء، ويجري عجنه وتنعيمه ثم سكب زيت خاص عليه ليكتسب لمعاناً بعد تجفيفه. ويرى أن اغلب سكان كربلاء يجيدون صناعة التربة الحسينية لاغراض الصلاة عليها منزليا وليس للتجارة. لكن هناك تجار اختصوا استفادوا من الازمات بين الدول مع العراق لتهريبها لتلك الدول مثل إيران أثناء الحرب العراقية الايرانية وللبنان أيضاً أثناء الخلاف الطويل بين حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين والنظام في دمشق.

ومع اقبال الزائرين على شراء نماذج الطين الحسيني "التربة الحسينية" يضيع السؤال عن مكان صناعتها وتجارها وان كانوا حقًا يجلبونها من كربلاء. وهو سؤال توجهنا به لعدد من اصحاب محلات بيع الهدايا الشيعية في مدينة مشهد شرق طهران فلم يجب أحد منهم عن أماكن صناعتها تحديدًا سواء داخل أو خارج مشهد وان كانت حقًا من كربلاء او من مكان اخر. لكنهم أجمعوا على ان تجارًا ضعارًا يجلبونها معهم بكميات كبيرة خاصة بعد ازدهار السياحة الدينية بين العراق وايران. فكحل السيد حسين حسيني يزوده شخص أفغاني يسافر بين العراق وايران لهذا الغرض ويبيع حسب عدد القطع وحجمها. ويجلب آخرون بعضهم عراقيون وبعضهم إيرانيون هذه كميات كبيرة لبعض المحلات، ويجلب تجار اخرون كميات مماثلة لمحلات اخرى في قم أيضاً.

وحسب نسبة التربة وحجمها يتقرر سعرها فالحسينية الحمراء سعرها هو الأعلى. بينما تليها المشهدية ثم القمية حسب ما أخبرنا صاحب محل بيع الهدايا جعفر دراجي. وقال لايلاف أن كل نموذج تربة مختوم عليه مصدرها الذي يفضله كل زبون. وقد وصلت قطعمن هذه التربة هذه الى اوربا وأميركا في مساجد وحسينيات وبيوت الشيعة.

وحول كيفية صناعة التربة المشهدية قال التاجر مسعود كُميلي إن صناعة هذه التربة تكون في أغلب الاحيان في المنازل بأخذ التربة من مكان قرب يكون المقام الديني. لكنه لم يفكر يوما، حسب ماأخبر إيلاف، بأماكن صناعتها سواء في مشهد أو قم أو كربلاء، الأمر الذي زادها قدسية لديه.

لكن رضا صاحب كافيه النت يقول أن التراب المستخدم في صناعة التربة الحسينية لم يكن كله من كربلاء بل تجري صناعته في أماكن أخرى لتقليل التكاليف. وهو أمر لا يلغي قدسية التربة كوسيلة للسجود بما أن النبي محمد يقول جعلت لي الارض مسجدًا وطهورًا.
وعلى الرغم من أن الفتاوى الشيعية لا تلزم السجود على التربة الحسينية بعينها معتمدة على قول النبي محمد جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، حيث يسجد كثير من الشيعة خاصة المتعملين منهم في حال عدم وجود تربة حسينية على ورقة أو قطعة شجر او حتى قطعة حجر أو على البلاط تماشياً مع لزوم السجود على الرض وما يخرج منها وفق الفقة الشيعي. الا البسطاء منهم يشترطون السجود على التربة الحسينية أثناء الصلاة، الأمر الذي ساهم في استخدامهم نموذجًا من قبل منتقدي الشيعة.

ولا تخلو معظم بيوت الشيعة من نموذج للتربة الحسينية تبركاً بالصلاة عليها وان كانت الصلاة بدون السجود عليها جائزة وفق جميع الفقهاء الشيعة خاصة المحدثين منهم مثل آية الله محمد حسين فضل الله الذي يقول إن "السجود على التربة الحسينية لا يمثل أي قداسة لهذه التربة".

يرى العلامة عبدالله الغريفي أن "السجود على التربة الحسينية يمثل حالة من حالات السجود على الأرض، فإن كان إجماع المسلمين قائم على صحة السجود على الأرض وترابها، فلا نجد أيّ مبرر لاستثناء هذه التربة، وما يطرح من تصورات لتبرير هذا الاستثناء لا يحمل صيغة علمية مقبولة. وإن الإشكالية التي تثار حول السجود على التربة الحسينية باعتبارها لونًا من ألوان السجود لغير الله تعالى إشكالية واهية، لأنّ السجود له صيغتان: السجود للشيء و السجود على الشيء. والفارق كبير بين الحالتين إذ تمثل الحالة الأولى لونًا من ألوان الشرك إذا كان المسجود له غير الله تعالى".

لكن ثمة مبالغات من رجال دين شيعة وردت في كتبهم تشير الى التبرك بهذه التربة بل نصح بعضهم باتخاذها علاجًا من بعض الأمراض. مثل ماورد في كتاب البحار للطوسي من أحاديث منسوبة للامام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قال: " ان طين قبر الحسين عليه السلام مسكة مباركة من أكله من شيعتنا كان له شفاء من كل داء..". أو حديث استحباب الافطار على التربة الحسينية في الكتاب نفسه وسواه: " أفضل ما يُفطر عليه طين من قبر الحسين عليه السلام". وعلى الرغم من أنها احاديث يضعفها عدد من علماء الشيعة المحدثين بسبب وردوها من كتاب البحار الذي يحوي احاديث وقصصًا تصل الى الاساطير. لكن بسطاء الشيعة يتمسكون بالتبرك بهذه التربة التي كونت تجارًا خاصين بها يتنقلون بصحبة صانديق كبيرة من الكارتون بين الدول مفضلين السفر برًا تجنبًا للمساءلة عن محتوى صناديقهم في المطارات أو عيون الفضوليين، إضافة لكثرة الكمية التي يمكنهم شحنها معهم في السفر البري بواسطة الباصات.

وهي تجارة لن تنتهي وفق ياسين الذي يقول لإيلاف أن هناك رغبة وإقبال لدى كل شيعي لشراء اكثر من ونع من التربة الحسنيية في منزله وفي مكتبه للتبرك وللصلاة عليها. مضيفاً أن ذلك لا يضر أحداً بل يفيد كل من له علاقة بها من صناعتها أو بيعها حيث يستفاد هؤلاء مالياً وهو مال يعتبر مباركاً، كما يستفاد مهديها اجتماعيًا ويستفاد المصلي نفسياً حين يستخدمها بالصلاة في السجود عليها والتبرك بها أيضاً.





المصدر : جريدة إيلاف

1 التعليقات:

إرسال تعليق

برامج يجب توفرها على جهازك لاستعراض محتويات الموقع جيدا

حمل برنامج الفايرفوكسحمل قاريء ملفات pdfحمل برنامج winzipحمل برنامج winrarحمل مشغل الفلاش